ابن حجر العسقلاني
355
فتح الباري
ينظر إليها ونور الشمس جزء من سبعين جزأ من نور الكرسي ونور الكرسي جزء من سبعين جزأ من نور العرش ونور العرش جزء من سبعين جزأ من نور الستر وإبراهيم فيه ضعف وقد أخرج عبد بن حميد عن عكرمة من وجه آخر إنكار الرؤية ويمكن الجمع بالحمل على غير أهل الجنة وأخرج بسند صحيح عن مجاهد ناظرة تنظر الثواب وعن أبي صالح نحوه وأورد الطبري الاختلاف فقال الأولى عندي بالصواب ما ذكرناه عن الحسن البصري وعكرمة وهو ثبوت الرؤية لموافقته الأحاديث الصحيحة وبالغ ابن عبد البر في رد الذي نقل عن مجاهد وقال هو شذوذ وقد تمسك به بعض المعتزلة وتمسكوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل عن الاسلام والايمان والاحسان وفيه أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال بعضهم فيه إشارة إلى انتفاء الرؤية وتعقب بأن المنفي فيه رؤيته في الدنيا لان العبادة خاصة بها فلو قال قائل ان فيه إشارة إلى جواز الرؤية في الآخرة لما أبعد وزعمت طائفة من المتكلمين كالسالمية من أهل البصرة ان في الخبر دليلا على أن الكفار يرون الله في القيامة من عموم اللقاء والخطاب وقال بعضهم يراه بعض دون بعض واحتجوا بحديث أبي سعيد حيث جاء فيه أن الكفار يتساقطون في النار إذا قيل لهم الا تردون ويبقى المؤمنون وفيهم المنافقون فيرونه لما ينصب الجسر ويتبعونه ويعطي كل انسان منهم نوره ثم يطفأ نور المنافقين وأجابوا عن قوله إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون انه بعد دخول الجنة وهو احتجاج مردود فان بعد هذه الآية ثم أنهم لصالوا الجحيم فدل على أن الحجب وقع قبل ذلك وأجاب بعضهم بأن الحجب يقع عند اطفاء النور ولا يلزم من كونه يتجلى للمؤمنين ومن معهم ممن أدخل نفسه فيهم ان تعمهم الرؤية لأنه أعلم بهم فينعم على المؤمنين برؤيته دون المنافقين كما يمنعهم من السجود والعلم عند الله تعالى قال البيهقي وجه الدليل من الآية أن لفظ ناضرة الأول بالضاد المعجمة الساقطة من النضرة بمعنى السرور ولفظ ناظرة بالظاء المعجمة المشالة يحتمل في كلام العرب أربعة أشياء نظر التفكر والاعتبار كقوله تعالى أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ونظر الانتظار كقوله تعالى ما ينظرون الا صيحة واحدة ونظر التعطف والرحمة كقوله تعالى لا ينظر الله إليهم ونظر الرؤية كقوله تعالى ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت والثلاثة الأول غير مرادة اما الأول فلان الآخرة ليست بدار استدلال وأما الثاني فلان في الانتظار تنغيصا وتكديرا والآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة وأهل الجنة لا ينظرون شيئا لأنه مهما خطر لهم أتوا به وأما الثالث فلا يجوز لان المخلوق لا يتعطف على خالقه فلم يبق الا نظر الرؤية وانضم إلى ذلك أن النظر إذا ذكر مع الوجه انصرف إلى نظر العينين اللتين في الوجه ولأنه هو الذي يتعدى بالى قوله تعالى ينظرون إليك وإذا ثبت ان ناظرة هنا بمعنى رائية اندفع قول من زعم أن المعنى ناظرة إلى ثواب ربها لان الأصل عدم التقدير وأيد منطوق الآية في حق المؤمنين بمفهوم الآية الأخرى في حق الكافرين انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وقيدها بالقيامة في الآيتين إشارة إلى أن الرؤية تحصل للمؤمنين في الآخرة دون الدنيا انتهى ملخصا موضحا وقد أخرج أبو العباس السراج في تاريخه عن الحسن بن عبد العزيز الجروي وهو من شيوخ البخاري سمعت عمرو بن أبي سلمة سمعت يقول مالك بن أنس وقيل له يا أبا عبد الله قول الله تعالى إلى ربها ناظرة يقول قوم إلى ثوابه فقال كذبوا فأين هم عن قوله تعالى كلا انهم عن ربهم